فخر الدين الرازي
303
القضاء والقدر
قالوا : أ - اشتهر عن أبي بكر الصديق ، أنه لما سئل عن معنى الكلالة . قال : « أقول فيها برأيي . فإن يك صوابا فمن اللّه ، وإن يك خطأ فمن الشيطان واللّه ورسوله منه بريئان » « 1 » وهذا تصريح منه بأن ذلك الخطأ ليس من اللّه . قال أصحابنا : المراد منه : أن ذلك ليس من اللّه ومن رسوله ، بمعنى الحكم والقضاء به . فأما أن يكون المراد أنه ليس منه بمعنى الخلق والتكوين ، فممنوع . وتمام الكلام هاهنا ، كما في قوله تعالى : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 2 » . ب - وأما عمر بن الخطاب فيروى أن كاتبه كتب : « هذا ما أرى اللّه عمر » فقال للكاتب : امحه . فمحاه . فقال : « اكتب هذا ما رأى عمر » قال الأصحاب : قوله : « هذا ما أرى اللّه عمر » لا يصدق إلا فيما عرف بنص . ولهذا السبب غيره . ج - قالوا : ونقل عنه أنه لما أخذ له سارق . وقال له : لم سرقت ؟ قال له : بقضاء اللّه . قطع يده وجلده وقال : « هذا لسرقتك ، وهذا لافترائك على اللّه » « 3 » ولقائل أن يقول : لعله كان مراد السارق من لفظ القضاء : إذن اللّه فيه وحكمه به . د - وأما علي بن أبي طالب . فقالوا : القول بالعدل عنه في غاية الشهرة . وخطبه دالة عليه . فعنه أنه سئل عن التوحيد والعدل . فقال : « التوحيد أن لا تتوهمه ، والعدل أن لا تتهمه » « 4 » وهذا كلام في غاية الجلالة . والمراد من قوله : « أن لا تتهمه » أي لا تتهمه بأنه يفعل القبائح والفواحش وظلم العباد . وقال أصحابنا : المراد منه : أن الظلم من اللّه محال . لأن كل ما يفعله فإنه تصرف في ملك نفسه ، وليس ذلك بظلم . ه - وأيضا : نقل عن علي بن أبي طالب « 5 » أنه لما انصرف من صفين قام إليه شيخ من
--> ( 1 ) رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والدارمي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن الشعبي قال سئل أبو بكر عن الكلالة . فذكره ( الدر المنثور 2 / 250 ) . ( 2 ) سورة آل عمران الآية 78 . ( 3 ) ذكره الملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة رحمه اللّه ( ص 69 ) . وانظر موسوعة فقه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ( ص 217 ) . ( 4 ) نهج البلاغة للشريف الرضي 2 / 254 ( طبعة سنة 1321 ه ) . ( 5 ) نهج البلاغة 2 / 158 - 159 ؛ والأمالي للرضي 1 / 104 - 105 ؛ والمنية والأمل لابن المرتضى ص 127 .